هايتي على حائط شارع عتيق في ليبيا!
تعيش هايتي في حالة من العنف والفوضى منذ الإطاحة بالدكتاتور جان كلود دوفالييه في عام 1986، وقد تصاعد العنف في عدة مناسبات لاحقة، وغرقت البلاد في أزمة حادة ووضع أمني مزر.
من المفارقات أن هايتي، الدولة الكاريبية الصغيرة والفقيرة، كان لأحد دبلوماسييها البارزين دور أساسي يمكن وصفه بالبطولي في استقلال بلد عربي.
بصورة مستفحلة، تواجه البلاد أزمة واسعة النطاق تتعلق بنشاط العصابات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي، والمشاكل الإنسانية، والصعوبات الاقتصادية المتفاقمة.
تسيطر العصابات المسلحة على مساحات من العاصمة بورت أو برانس تتراوح بين 70 بالمئة و90 بالمئة، وقد أسفر عنف هذه العصابات منذ بداية عام 2026 عن مقتل أكثر من 2300 شخص وإصابة أكثر من 1100 آخرين. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 فقط، تم الإبلاغ عن 1927 حادثة عنف، أكثر من 70 بالمئة منها حالات اغتصاب مروعة.
حتى الآن، لا تزال العصابات المسلحة تسيطر على مناطق واسعة، بما في ذلك قسم كبير من العاصمة، وقد ازداد انعدام الاستقرار حدة في البلاد في أعقاب اغتيال الرئيس جوفينيل مويس على يد مرتزقة في عام 2021. كانت الأمم المتحدة قد قالت إن عنف العصابات تصاعد في عام 2025 وامتد إلى ما وراء العاصمة، ففي ديسمبر 2025 سيطرت العصابات على نصف المنطقة الوسطى من هايتي، بما في ذلك جزء من مقاطعة أرتيبونيت.
قبل ذلك، في التاسع والعشرين من فبراير 2024، برزت شخصية جديدة إلى واجهة الصراع، وهو ضابط شرطة سابق يدعى جيمي شيريزييه، ويعرف باسم "باربيكيو"، نجح في تزعم تحالف عصابات في العاصمة. هذا التحالف، الذي يُسمى "القوى الثورية لعائلة جي 9 وحلفائها"، بات يسيطر على ما يصل إلى 80 بالمئة من العاصمة الهايتية، وقد سعى شيريزييه إلى تحويل تنظيمه إلى حركة عسكرية سياسية تحت شعار بسيط هو: "ضد الأغنياء ومع الفقراء".
محاولات العصابات المسلحة، تحت قيادة هذا الضابط السابق، ملء الفراغ الناجم عن ضعف السلطات الحكومية، باءت بالفشل. بقيت الفوضى وواصلت دوامة العنف دورانها، ولا يزال ما يقرب من نصف السكان في أمس الحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة.
في يونيو 2026، كان ما يقرب من نصف السكان، أي حوالي 5.4 مليون نسمة، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويعيش ما يقرب من مليوني شخص منهم في حالة طوارئ قصوى. وعلاوة على كل ذلك، أجبر العنف المدارس على الإغلاق، ما حرم 1.5 مليون طفل من حقهم في التعليم، والأدهى أن وباء الكوليرا لا يزال يشكل تهديداً خطيراً للصحة العامة في ظل انهيار المرافق الصحية.
تسبب العنف المتواصل والفوضى العارمة في نزوح ما يقرب من 1.5 مليون شخص، أي أكثر من 10 بالمئة من إجمالي عدد السكان، حيث يُجبر الكثيرون على الفرار من مناطق سكناهم بسبب العنف ونقص الغذاء ومشاكل أخرى. حتى مطار بورت أو برانس لم يتعاف بشكل كامل، والطرق الرئيسة غير سالكة، ما يعيق بشدة وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
من المضحك المبكي أن هايتي تعيش من دون جيش وطني منذ عام 1994، ففي ذلك العام تدخلت الولايات المتحدة عسكريا، وأعادت إلى السلطة الرئيس جان برتران أريستيد، الذي كان قد أُطيح به في انقلاب عسكري. بعد فترة وجيزة من عودة الرئيس أريستيد إلى هايتي تحت حماية حوالي 20 ألف جندي أمريكي، بادر إلى حل الجيش الهايتي رسميا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طال الشرطة التي تم تسريح معظم أفرادها أو فروا بمحض إرادتهم، ما جعل البلاد بلا قوة نظامية قادرة على فرض الأمن.
هذا البلد البائس والبعيد، الذي يعد أفقر بلد في الأمريكتين، قدّم أحد أبنائه خدمة جليلة لليبيا، وذلك أثناء تصويت الأمم المتحدة في عام 1949 على مشروع عرضته بريطانيا وفرنسا وإيطاليا لتقسيم ليبيا إلى ثلاثة أجزاء ووضعها تحت وصايتها.
صوّت مندوب هايتي في الأمم المتحدة، إميل سان لو، ضد هذا المشروع المعروف باسم "بيفن-سفورزا"، وكان صوته حاسما في التصويت، إذ كان قرار التقسيم الاستعماري في حاجة إلى صوت واحد فقط ليتم إقراره ويتجاوز عتبة ثلثي الأصوات المطلوبة، إلا أن مندوب هايتي أفسد الخطة، ما فتح الطريق لتبقى ليبيا موحدة وتحصل على استقلالها لاحقا في ديسمبر 1951.
تكمن قيمة فعل مندوب هايتي إميل سان لو في أنه صوت ضد قرار تقسيم ليبيا وعصى أوامر دولته، بل وخسر جراء ذلك منصبه الرفيع في الأمم المتحدة، ما يزيد من أهمية موقفه.
عرفانا بالجميل وتقديرا لموقف مندوب هايتي البطولي، أطلقت ليبيا بعد استقلالها اسم هايتي على أحد الشوارع العتيقة في العاصمة طرابلس.
بعد وصول معمر القذافي إلى السلطة، تغير كل شيء في ليبيا تقريبا على مدى 42 عاما، لكن شارع هايتي بقي على حاله، وهو لا يزال يحمل نفس الاسم حتى الآن، شاهدا على موقف تاريخي جسّده دبلوماسي من بلد صغير، غارق في فوضى عارمة وعنف مزمن.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
فانواتو وأسطورة "المخلص جون"!
في 30 يوليو 1980، نالت جزر نيو هبريدس استقلالها رسميا تحت اسمها الجديد، جمهورية فانواتو. اللافت في تاريخها السابق أن إحدى جزرها شهدت ظاهرة غريبة عقب الاتصال بالأمريكيين.
طائرة الركاب "الصفارة"!
شهد يوم 29 يوليو 1963 حدثا هاما في تاريخ الطيران، تمثل في قيام طائرة الركاب السوفيتية النفاثة "تو-134" بأول رحلة تجريبية لها.
اتفاقيات لاهاي ومبدأ "مارتنز" الروسي الحاسم!
جرى في 29 يوليو 1899 اعتماد اتفاقيات لاهاي في ختام مؤتمر لاهاي الأول للسلام. شكّل هذا الحدث علامة فارقة في تطور القانون الدولي الحديث.
سر بصمات أصابع على تمثال بسوريا!
من المدهش معرفة أن استخدام بصمات الأصابع لتحديد الهوية لم يكن اكتشافا حديثا، بل إنه بدأ قبل الميلاد بآلاف السنين، جرى ذلك تحديدا في سوريا والصين.
انتحار سمكة ذهبية وهي تحذر من الخطر!
قبل أن يُقتل مئات الآلاف من سكان مدينة تانغشان بشمال الصين، بدت الطبيعة كما لو أنها تصرخ محذرة من الخطر الداهم، حتى أن سمكة ذهبية في حوض بأحد المنازل تقافزت بشكل محموم.
التعليقات